ابن المقفع
13
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
بمحاربة هذه الجماعة والتنكيل بها سمّاه « صاحب الزنادقة » كما طلب إلى العلماء الردّ على أقوالها ، وعلى سنته سار ابنه الهادي وسواه من الخلفاء العباسيين . وتعتبر محاكمة الأفشين قائد جيوش المعتصم ، وقتله باتهامات الزندقة التي وجهت إليه ، من الأحداث التي تكشف عن خطورة هذه الظاهرة في العصر العباسي فقد اتخذت الزندقة سلاحا في يد المتخاصمين سياسيا أو دينيا ، فتبادلها أصحاب المذاهب والأدباء . * زندقة ابن المقفّع ؟ كان ابن المقفع قبل إسلامه يؤمن بالمجوسية ، وكان له نشاط في نشر تعاليمها وترجمة آثارها إلى العربية ، ومنها كتاب في سيرة « مزدك » أحد دعاة الثنوية ومن زعمائها المجدّدين لمبادئها . فهو من هذه الناحية ، وفي الفترة السابقة لاعتناقه الإسلام « زنديق » مؤمن لا تحوم حوله شبهة ، ثم أسلم على يد عيسى بن عليّ عمّ السفّاح والمنصور ، ولم يمض زمن قصير على إسلامه ، حتى قتل على يد سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بإيعاز من المنصور ، وكان من مبرّرات قتله أنه زنديق من الفئة التي تتظاهر بالإسلام مراءاة وخداعا ، بينما هي لا تزال على معتقدها السابق . فما هو مدى هذا الاتهام من الصحة ؟ ليس في آثار بن المقفع التي وصلتنا ما يدل على زندقته ، وعلى هذا أجمع النقّاد المحدثون . كذلك لم يكن من دليل ماديّ يوجّه إليه لإثبات زندقته وتبرير قتله ولو توفّر لحوكم ابن المقفع - كما حوكم « الأفشين » في عهد المعتصم - ومثّل به في العلن . فالزندقة ليست الباعث الحقيقي على القتل ، وإنما كانت تغطية له . ومع هذا ، فكون ابن المقفع زنديقا ، بعد إسلامه ليس أمرا بعيد الاحتمال لا سيما « وهو حديث العهد بالإسلام ، لم يزل يحن إلى ديانته الأولى تلك التي نشأ عليها ، وانتحلها معظم حياته . وهو لم يسلم إلا حفاظا على كرامته وطمعا في الشهرة والجاه وتقربا إلى مواليه العباسيين » « 1 » . ومما يؤكد هذا الكلام أنه في ما نقل من آثار الفرس شعوبي يكره العرب ، وشديد التمسّك بدينه ، وقد تعدّدت روايات المؤرّخين في هذا
--> ( 1 ) بطرس البستاني : أدباء العرب في الأعصر العبّاسية ص 153 ط 4 .